أبو نصر الفارابي

51

الجمع بين رأيي الحكيمين

وكانت لغة الحرانيين السريانية وكانوا يعنون بالفلك والرياضيات ، يدفعهم إلى ذلك اجلالهم الديني للكواكب . واهم ما اعتقدوا به : وجود إله هو رب الأرباب ، ووجود أرواح اتخذت لها الكواكب هياكل ، سيما السيارة منها وهي زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر . وهي أرباب يتخذها البشر وسطاء لدى اللّه . والتوسل إلى اللّه بواسطة الأرواح أفضل من التوسل بواسطة بشر أنبياء . لذلك عظموا الكواكب وأقاموا لها اعيادا وهياكل ، وقدموا لها قرابين حيوانية وأحيانا بشرية . لذلك برعوا في علم الفلك والهندسة إذ انهم كانوا يقيمون الهياكل على اشكال هندسية معينة . وقد أسهمت حران اسهاما واسعا خصبا في الحركة الفكرية والعلمية خصوصا عند العرب . وكان لبعض علمائها الفضل في ترجمة الآثار اليونانية إلى العربية ، نذكر منهم ثابت بن قرة ( 221 / 288 ه - 826 - 901 م ) ، وابن سنان الطبيب العالم بالظواهر الجوية ، وأسرة هلال ، ومنهم هلال بن إبراهيم الطبيب ، والبتاني المشهور برصد الكواكب وعلم الهندسة ، وأبو جعفر الخازن الرياضي . * * * فهكذا كان للبلاد التي سيفتحها الإسلام ، فيما بعد ، ثقافات متنوعة ، منها اليونانية والفارسية والهندية . وكانت هناك مدارس تحافظ على هذه الثقافات وتعلمها . كما وان لغات عديدة كانت منتشرة في هذه البلاد ، أهمها اليونانية والفارسية والسريانية ، وكان قد ترجم من التراث اليوناني القديم قدر كبير إلى السريانية والفارسية . وهذه الشعوب التي دخلت تحت الحكم الاسلامي ، حافظت على نشاطها الفكري ، واستمرت مدارسها في العمل . غاية ما في الامر اخذوا ينقلون إلى لغة الفاتحين ( اللغة العربية ) هذا التراث القديم الغني المتنوع النواحي . فاعتمد عليه مفكر والإسلام واستخدموه في تكوين علومهم وفلسفتهم . ونستعرض الآن أهم ما ترجم من هذا التراث ، ومن قام بهذا العمل ، وما ذا كانت البواعث عليه ، وإلى اي مدى وفقوا في ترجمتهم . الترجمات 1 - الترجمات السريانية : لم يكن السريان بحاجة ، في بدء الامر ، إلى ترجمة الآثار اليونانية إلى لغتهم لان اليونانية كانت شائعة في مدارسهم وبين المثقفين منهم . ولكن عندما تزايد اثر فارس